مسلسل ميلا – الحلقة الرابعة و العشرون

كَتبهفي 13 يونيو 2018

مرت ثلاثة أشهر منذ أن تركت مي منزلها واستقرت بالمستشفى، ارتفع سقف حريتها واستقلاليتها، زاد عدد أصدقائها المقربين، وبدأ يتودد إليها (كمال)، ذلك الشاب اليافع ذو المنصب المرموق في إحدي الشركات الكبرى، ثلاثيني العمر ومبهور بعقلها وانطلاقها وجمالها، بينما لا يعرف حقيقة عمرها الأصلي أو كونها أم لطفل عمره إحدى عشرة سنة؛ بل ومازالت زوجة ولو على الورق!

وفي النادي، كان في إنتظارها كالعادة، أراد أن يغتنم فرصة وجودها بمفردها..
كمال :صباح الخير يا مي.. عامله إيه ؟
مي: صباح الفل .. إيه جاي بدري النادي النهارده؟؟ مش عوايدك؟؟
سكت كمال بينما تحركت الكلمات في عينيه: الصراحة.. أنا منمتش طول الليل.. فيه موضوع شاغل بالي بقاله فترة.. ومش عارف أفتحه معاكي إزاي..
لمعت ومضة شقية في عينيها مع إبتسامة مرحة:
” يااه ! ده أكيد موضوع خطيير ! ”
تردد كمال أمام حضورها العذب، ثم تماسك وأطلقها برتابة و كأنه يسمع نشيد الصباح في المدرسة:مي.. أنا بحبك وعايز أتجوزك.. قلتي إيه؟؟ آجي إمتي أقابل أونكل؟؟
مي بإبتسامة واسعة: كده خبط لزق ؟! إنت بتهزر ولا بتتكلم جد؟!
كانت تعلم جيداً أنه يعنيها، و لكنها فضلت المراوغة، أخفت بغشاء من المرح كثير من المشاعر المتناقضة…
كمال: هو الكلام ده فيه هزار؟
انسحبت الإبتسامة عن وجهها وأطرقت؛ ثم علقت بوجه ساهم: كمال.. إنت فجأتني ومش عارفه أقولك إيه.. أنا مش بفكر في الجواز حاليا.. معلش أنا مضطرة أمشي دلوقتى..
كمال: أعتبر ده رفض؟
ابتسمت مي مودعة: هارد عليك!

توجه آدم إلى العنوان المريب، يدخل من شارع إلى حارة إلى زقاق، حتى يجد أمامه زاوية صغيرة تستخدم للصلاة، خلع نعليه ودخل بحذر، تجمعت عيون الحضور عليه بفضول، تشاغل في الصلاة عسى أن تنسحب العيون، وترامى إلى مسامعه صوت الشيخ يلقي عليهم درسا في الدين، فرغ من الصلاة واقترب، ترك مسافة بينه وبين آخر صف من الحضور، وانتظر حتى فرغ الشيخ من درسه ثم سأله عن أمجد، تطلع إليه الشيخ بريبة، ثم أخبره بأنه مختف منذ فترة طويلة، ولعله قد تعرض للإعتقال! وكأن الامر نزهة أو فسحة، بدوره يتلو خبر الإعتقال وكأنها قصة مكررة! شكره آدم وخرج من الزاوية بكثير من الإحباط، ها قد تقطعت به السبل، ولربما يكونوا على حق! ربما يكون أمجد بالفعل معتقل ومحسن بك لا يريد أن يسرب معلومات عنه! وربما يكون قد سافر ليقابل جماعات تكفيرية في مكان ما على الكرة الأرضية! كل شيء وارد، بينما اقترب موعد خطبته من حنين، اجتاحته الهواجس حينها؛ تصور الشرطة تداهم الزاوية وتعتقله مع الآخرين، تصور مستقبله وقد اصبح له ملفاً في أمن الدولة! نفض رأسه من هواجسها وثبت نواظره على طريق العودة، و قد اتخذ قراراً بالكف عن البحث..
رجعت مي إلى المستشفى حائرة ساهمة، ليستقبلها د. حمزة بإبتسامة واسعة، انقبض قلبها وتاهت عينيها في الفراغ، أصبحت تلك الإبتسامات بدورها مثيرة للقلق..

اقرأ أيضاً  رواية كلاب الراعى

د. حمزة: إزيك يا مي ؟
ردت مي بمرح: الحمد لله .. إزيك يا دكتور؟!
د. حمزة: بقالك كام يوم بتتهربي مني .. تعالي بقى نطمن عليكي .. هنعمل كشف سريع
مي: يا دكتور هو أنا مش هبقى بني آدمة طبيعية بقى؟؟
د. حمزة: ما انتى زي الفل أهو! بس لازم نهتم بصحتنا.. زي مريض السكر والضغط لازم يمشي على العلاج رغم إنهم بيبقوا طبيعين ..
يبدأ د. حمزة كشفه الروتيني، يكتشف بعض الإضطرابات..
د. حمزة: احنا مش قلنا بلاش قهوة أو صودا؟
ضحكت مي: هو الأجهزة دي بتقول لك إني بشرب قهوة؟؟
ضحك د. حمزة: أيوه طبعاً .. الأجهزة دي بتحس وبتسمع وبتتكلم.. إنتى عارفة؟؟ أنا بعتبرهم أصحابي.. كتير بقعد أتكلم معاهم وبيكلموني !
زادت ضحكة مي المتنمرة: ده أنت حالتك صعبة خالص !
بدوره ضحك د. حمزة: جداً !
تشاغل في الكشف مبتعداً بعينيه عن عينيها، يريد أن يخفي ما قد تسرب من مشاعره الدفينة، ألحت عليه مي بمرح:
“إيه؟؟ روحت تكلم الأجهزة تاني ؟!
توتر حمزة، تسارعت أنامله لتنهي الكشف، رسم إبتسامة رسمية على وجهه:
” ياريت نبطل القهوة خالص.. أنا خايف عليكي .. قصدي .. خطر عليكي !”
اعتدلت مي حتى أصبح وجهها مقابلاً لوجهه:
“خايف عليا؟!”
تراجع د. حمزة وقد إمتقع وجهه:
” أكيد.. إحنا عِشرة قديمة! أعرفك من خمس سنين .. كنت دايماً باجي لك الأوضة وإنتى بين الأجهزة .. بسمع نبضك ومستغرب! إزاي متمسكة بالحياة كده .. وفي نفس الوقت مش عايزه ترجعي لها..”
مي: ما أنا رجعت أهو !
اقترب منها د. حمزة، ثم توقف! و كأنه قد تذكر شيء ما:
” هسيبك ترتاحي .. لو محتاجه حاجه أنا موجود ..”

اقرأ أيضاً  مسلسل ميلا - الحلقة الخامسة

أطلقها وانطلق، وترك مي لحيرتها تتسائل، ما الفائدة من وراء كل هذا العبث؟ متى تعلمت ترك الأبواب للريح؟ كيف أصبحت نسخة لعوب من مي البريئة القديمة؟ ماذا حل بها؟ لماذا كل هذا النهم على الحياة؟ هل هي أمنيات قديمة؟ من زمن السمنة المفرطة؟ من حيث كانت مراهقة بدينة لا يهتم بها أحد؟ ثم تتحقق نبؤة الأميرة النائمة، فتنام لعشرة أعوام وتصحو فلا يمر بها العمر، بل وتخسر كل هذه الأحمال البغيضة، تتحول إلى هيفاء يتمناها الرجال، مشاعر لم تجدها يوم قط، حتى (طارق) زوجها، كان الرجل الوحيد الذي غازلها، فوقعت في شباكه على الفور، كانت تعلم بأنه يستغلها، ولكن ليس من السهل على من هن مثلها أن لا يقبلن! بدورها تحركت إلى غرفتها لتفرغ بعض هواجسها على الوسادة وتنام..

و في غرفة أخرى، تمتد يد خشنة لتخربش في كتف أم أحمد، تفتح عينيها على عجوز دميمة شاخصة ببصرها تجاها، تحاول أن تصرخ؛ فتبادرها الأخيرة بكفها تكممها .. كانت نسختها العجوز: أم أحمد!
و بحوار بين العيون، استسلمت (نوال) الجميلة إلى (أم أحمد) الشمطاء، سارت معها كالسائرين نياماً، سحبتها من ذراعها وألبستها بعض الثياب؛ ثم جرتها جراً إلى الشارع!

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Current track
Title
Artist

Background