مسلسل ميلا – الحلقة الثالثة والعشرون

كَتبهفي 12 يونيو 2018

انتفضت مريم لتجد نفسها نائمة على فراش الكشف بغرفة د. حسن، التقطت نفساً عميقاً محاولة السيطرة على التوتر الذى تملك جميع جوانحها؛ ولكن هيهات، فما يجيش بصدرها أكبر من أية محاولات، مازالت صورة أمجد تحتل مخيلتها، ذلك الإنسان الطيب البشوش والذى لطالما وقف فى صفها ودافع عنها، ماذا فعل حتى يكون مصيره بتلك البشاعة؟ وكيف وصل إليه د. حسن؟ وضعت كفها فوق رأسها محاولةً أن تتجنب جنون محقق، كادت تفقد الوعى ثانيةً من فرط الأسئلة، ثم تذكرت د. حسن وعرضه للزواج، أصابتها القشعريرة من الفكرة، شخص بكل تلك الوحشية لن يتقبل رفضها لعرضه بصدر رحب، قد يجن جنونه ويصدر عنه ما لا تتوقعه، بينما يستحيل عليها أن تكون زوجة لمسخ مثله، وإن قبلت؛ فمن المحتمل أن يتم القبض عليه وافتضاح أمره فى أى وقت! لا يوجد حل سوى الإبلاغ عنه وإراحة الضمير، ذلك هو الرأي الفصل، ولكن المعضلة أنها لا تمتلك أية أدلة على ما فعل، بدأ الصداع اللعين يضرب جنبات رأسها بمطارقه المسننة، تحتاج إلى مشورة أو مساعدة لإعادة ترتيب أوراقها، نعم: تحتاج إلى شخص يستطيع احتوائها في مثل هذه المعضلة، تذكرت د. فارس؛ فدلفت إلى غرفته..
استقبلها فارس بإبتسامته الهادئة، وطلب لها كوبا من الليمون..
مريم: محتاجه أتكلم معاك شوية يا دكتور .. أنا تعبانة..
د. فارس: طب ياريت تريحي على الشيزلونج عقبال مايجي الليمون..
استلقت مريم على الاريكة بينما اقترب د.فارس على الكرسي المجاور لها..
“لأ انتي بقيتى تمام ما شاء الله! ” قالها بلهجة رتيبة “أنا تحت أمرك.. عايزة تتكلمي في إيه؟”
مريم : أنا واقعة فى مشكلة كبيرة يا دكتور.. بس مش هقدر أقول تفاصيل .. باختصار فيه إختيارين قدامي.. والاتنين أسوأ من بعض.. ومافيش مهرب منهم غير الموت.. أنا عارفة إني دايما بختار غلط.. ولسه لحد دلوقتى بعاني من سوء إختياراتي.. ومتأكده إن أياً كان القرار اللى هاخده هيطلع غلط …


يبتسم د. فارس:

” كل مشكلة وليها حل.. وبعدين أنا معاكي.. خلينا نشتغل عليها وأكيد هنوصل لنتيجة كويسة.. وحتى لو اختارتى غلط قبل كده.. ممكن نستغل الوضع ونصلحه ونطلع منه بأكبر فايدة ممكنة … مفيش حد مبيغلطش.. المهم نستفيد من غلطاتنا ونتعلم منها..”

ثم استطرد:

“طول ما إحنا عايشين .. دائماً بيبقى فيه فرصة لبداية جديدة.. كل محاولة ناجحة أو فاشلة ممكن نحط وراها (نقطة) ونكتب من أول السطر.. كل طوبة أو حفرة في الطريق ممكن تبقى بداية لبيت جديد نبنيه بإيدينا.. مافيش حاجه اسمها مستحيل.. فيه إنسان بيحاول .. وإنسان مش بيحاول.. ومافيش حاجه اسمها نجاح من غير فشل.. كلنا بنتعلم من التجارب اللي بنمر بيها .. خلي دايماً فكرة البداية الجديدة تزقك لقدام .. خلي دايماً (الماضي) وراء ظهرك وإنتى بتخططي لبكرة.. عشان لو فضل قدامك هيوقعك!”

اقرأ أيضاً  رواية انت فليبدأ العبث .. ريفيو

شكرته مريم مودعة، بينما ظلت كلماته الأخيرة تطن برأسها، نعم عليها أن تتغير، عليها أن تحول من إخفاقاتها إلى بداية جديدة، عليها أن لا تضيع أية فرصة ممكنة، ستضع الماضي خلف ظهرها وتتوقف عن لعب دور الضحية، ابتسمت مريم إبتسامة عريضة؛ وقد تخلصت تماماً من جميع التراهات الإنسانية!

توالت نوبات الصرع والتشنجات على أم أحمد، نفس الأعراض التي تعرضت لها مي مسبقاً، ولكن هذه المرة كانت النوبات أكثر عدداً ونوبات الصرع أطول، ثم تفيق مشوشة الذهن، تهزي بعبارات مبهمة ومتناقضة، كانت تردد:
” هارميكو كلكو لجمالات ”
” زمان الواد قاسم خربها ”
” اديني حسنة قليلة لوجه الله ”
” عايزة أغير العربية ”
بينما قرر د. حسن أن يتابع الحالة عن بعد، لم يحاول مطلقا الظهور في نوبات استفاقتها، كان يكتفي بمتابعة التقارير دورياً من د. حمزة، والذي كان دأبه فيها هدف آخر، يتصيد أوقات افاقتها كي يحصل على مزيد من المعلومات، وذات مرة من مرات افاقتها، حاول د. حمزة أن يستفسر منها كيف آل بها الحال إلى براثن د. حسن، كان يريد أن يؤكد على شكوكه صوب أنشطته الإجرامية، يبحث عن دليل ادانته، ومن ثم دليل برائته وخلاصه من ذلك الكابوس الذي يعيش فيه، سألها:
” قاسم دا ابنك ؟ ”
وكأنها لم تسمع السؤال، ظلت معلقة أنظارها في سقف الغرفة! ثم عاودت الثبات دون إجابة!
حاول في مرة أخرى أن يجذب انتباها بيأس:
“د. حسن إداكي فلوس عشان يعمل عليكي تجاربه ؟”
إلتفتت إليه كالعائدين من الموت، انتفضت وشخصت ببصرها تجاهه بشكل مخيف، وبأعين يطل منها الشرر:
” د. حسن هو اللي جابني هنا ؟”
حمزة : إنتي تعرفي د. حسن ؟
بدات رأسها تدور وكأنها ساحرة إفريقية تحضر لسحر سفلي: أيوة أعرفه .. أنا ساكنه عنده في البدروم
حمزة : ركزي معايا .. تقدري تقوليلي آخر مرة شوفتيه امتى؟
بدات نوال تهزي من جديد:
” اديني حسنة قليلة لوجه الله ”
حاول د. حمزة أن يستثمر اللحظة: د. حسن هو صاحب المستشفى.. هو اللي عمل لك عملية الورم..
انتفضت أم أحمد مجدداً: عملية إيه ؟ أنا ماحدش يقدر يعمل معايا حاجه !
زفر د. حمزة وانفعل: إنتِي مش كنتي تعبانه ود. حسن لحقك بالعملية؟؟ هو ما قالكيش إنك هتعملي عملية؟!
بدت أم أحمد أكثر ثباتاً ووعياً، صرخت فيه: باقولك ماحدش يقدر يعمل معايا حاجة! أنا إيه اللي جابني هنا؟؟ إنت مين يا حضرت؟؟ ومين نقلني من اوضتي وجابني هنا؟؟
بدأت صافرات الأجهزة الحيوية في الطنين من جديد، سارع حمزة بحقن الكانيولا بالمهدئ، بينما ثبت يقيناً تعمد د. حسن و سبق إصراره وترصده! إنها جريمة مكتملة الأركان، أسكن تلك المسكينة لديه في العمارة كي تكون فأرة تجارب، تامل في وجهها الشاحب، بينما سرى الخدر في جسدها وغابت عن الوعي..

اقرأ أيضاً  مسلسل ميلا - الحلقة الثالثة عشر

دخل رأفت بك المستشفى بخطوات متسارعة، أمست مكانا مألوفا لديه من كثرة ما تردد عليها طوال السنوات العشر الماضية، تخطو قدماه بتلقائية بينما تتلاعب الهواجس برأسه كتلاعب الموج بقارب صغير في يوم عاصف .. عادت مي ولم تعد! تغير جسدها وعقلها وقلبها، أصبحت عبأ لا يحتمل، بينما تضاربت المشاعر نحوها، بين الفرحة بعودتها وبين الحيرة من تقلب الحال، ويبقى د. حسن أيقونة الأمل، الطبيب العبقري الذي أعادها إلى الحياة، واليوم يستدعيه طالباً دعمه لمزيد من الإجراءات، أخبره بانها بأمان بعد أن غادرت منزله ليلاً، وأنه يريد التحدث إليه في أمرها في تلك المرحلة الانتقالية، وبالغرفة كان د. حسن جالساً على كرسيه خلف المكتب يتحدث إلى مريم مديرة المستشفى، ارتسمت على وجهيهما إبتسمات متطابقة، كانت مريم الأقرب فمدت يدها مصافحة:
“أهلا وسهلا يا رأفت بيه ، اتفضل”
وبنفس الإبتسامة أشار د. حسن بيده إلى الكرسي: أهلاً يا رأفت بك.. اتفضل استريح .. هاطلب لحضرتك قهوتك .
همت مريم بالاستئذان : هاروح أتابع الشغل اللي كلمت حضرتك عنه يا دكتور حسن..
يبتسم رأفت هازا رأسه في تقدير ، ويرد حسن : مفيش مشكلة اتفضلي ونكمل بعدين كلامنا .
تخرج مريم من الغرفة، وبمجرد أن أغلقت الباب، استرسل رأفت بحزن وغصة:
“بنتي ما رجعتش يا د. حسن .. مي ما بقتش مي .. البنت مالها يا دكتور؟ ”
د. حسن : اهدأ حضرتك .. طبيعي جداً اللي بيحصل لمي .. صدمة الواقع بالنسبة لها مش سهلة .. هي مش حاسة إن أي حاجه اتغيرت فيها .. وكل حاجه حواليها اتغيرت.. بنوته عندها 22 سنة وعندها ابن عمره 11 سنة! جوزها اتجوز عليها و كبر في السن .. إنت نفسك شكلك اتغير .. وكمان فقدت أمها .. أمها اللي بقت مش بتتحرك ولا بتتكلم معاها..
رأفت : والعمل ؟هتفضل على الحال ده لغاية إمتى؟؟
د. حسن : دي غلطتنا من الأول ، كان المفروض نحسب كل دا ونأهلها نفسيا .. للأسف فرحتنا برجوعها واستعجالنا كانوا السبب في اللي هي فيه دلوقت ..
ثم استطرد : مي جات لنا إمبارح وكانت حالتها صعبة جداً.. واللي قالقني إنها أغمى عليها تاني!
رأفت في قلق :يعنى إيه تاني؟
د. حسن : هي ما قالتلكش إنها كانت عندنا إمبارح الظهر وأغمى عليها؟؟
رأفت بأسى: قالت لي للأسف .. بس وهي خارجه من البيت!
د. حسن: ماخبيش عليك يا رأفت بيه .. أي ضغط عصبي على مي خطر كبير على حياتها .. ماتنساش إنها في فترة نقاهة .. نادر جدا إن واحدة تفضل في غيبوبة عشر سنين وبعدين ترجع للحياة.. ده غير إنها اتعرضت لعلاج تجريبي .. وأكيد محتاجه لمتابعة ..
رأفت وقد استغرق في نوبة عاطفية: أنا من إيدك دي لإيدك دي.. قولي نعمل إيه وأنا هانفذه بالحرف .. أنا ماصدقت إنها رجعت للدنيا!
د. حسن : بسيطة إن شاء الله .. مي هاتفضل نزيلة عندنا شوية ..هانشتغل على إعادة تأهيلها نفسيا ..عندنا دكتور شاطر أوي هايساعدها.. ومن ناحيتك حاول تقلل فرص التوتر عندها ..حتى لو حبت تخرج من المستشفى شوية .. هنسيبها تخرج وترجع لنا تاني وتفضل تحت ملاحظتنا..
تنفس رأفت الصعداء، بداخله شعور دفين بالراحة بعد أن إنتقل العبء إلى د. حسن : مش عارف أشكرك إزاي.. أنا موافق على كل كلامك.. المهم ترجع لي بنتي تاني ..
د. حسن : بس أستأذنك تمضي لنا على شوية أوراق.. إنت عارف إن مي مارسنا عليها عقار لسه تحت الجربة .. لازم حضرتك تمضي بمعرفتك وموافقتك على العلاج ده بشكل صريح..
رأفت بريبة: بس أنا مضيت قبل كده يا دكتور؟
د. حسن: معلش.. أنا اضطريت أعدل الكلام عشان يبقى أوضح .. أنا مش باعمل حاجه من وراء حد … لازم يبقى تفويض واضح وصريح..
رأفت : مفيش مشكلة يا دكتور.. أنا أمضي من غير ما أقرأ أصلاً !
يصافحه د. حسن: ده العشم برضو يا رأفت بيه

اقرأ أيضاً  مسلسل ميلا - الحلقة الخامسة و العشرون

يخرج رأفت من المكتب، وترتسم إبتسامة واسعة على وجه د. حسن..

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Current track
Title
Artist

Background