مسلسل ميلا – الحلقة الثانية والعشرون

كَتبهفي 9 يونيو 2018

تتمايل صاحبة القد الممتلئ على ايقاعات قلب جراح العقول، تبث في أرجاء جدرانه الخاوية قليلا من الحياة، تنازع أدوات الجراحة والأبحاث على مكان في وقته الضيق، فترفرف بأجنحتها الوردية وتحرك نسمات عطرة في الأرجاء، يتنفسها فتمتلئ بها رئتاه، و تطرد ما قد تراكم بداخلها من خواء رطب مفعم بالوحدة و الشقاء، ليبعث من رحم الجسد الميت طفلا أهوج! يشتاق إلى جميع تفاصيلها الدقيقة، إلى ابتسامتها الهادئة وعينيها التي تشرد بين الكلمات، إلى أناملها التي تلملم بها ضحكتها في حياء، إلى تلك الشفاة التي لا تكف عن الإغواء، يشتاق إلى بئر مريم؛ ذلك الطلسم الذي لا يعرف كيف يفك شفرته، ذلك المعين الذي لا ينضب رعاية أو أهتماما، يشتاق حتى أصبح اللقاء قصيراً غير كافياً، لا يسع ما تغدقه عليه من دلال و شقاوة، أصبحت هي الداء؛ وليس له بغيرها من شفاء!د. حسن : مريم كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع ..
تبتسم مريم ابتسامتها المغوية: خير يا دوك.. احكيلى
يستعدل د. حسن من نظارته بتوتر، ثم يلقيها مباغتاً: عاوز اتجوزك !!
مريم:” تتجوزني !!”

رددتها في استغراب وتعجب، كانت تعلم بأنه قد سقط فى شباكها منذ حين، ولكن خطوة الزواج كانت مفاجئة، تناوبت عليها جميع ذكريات الماضي، داهمتها جميع المشاعر السلبية، تسائلت: أيأتي الآن كل شيء بهذه السهولة؟ امتقع وجهها وظهرت إمارات الغضب على صفحته، بدت وكأنها تحاول أن تبرر الرفض؛ بينما كانت غارقة في اختياراتها الفاشلة..
د. حسن : مالك ساكتة ليه ؟
تستجمع مريم نفسها وتهمهم بكلمات غير مفهومة: لا أبداً.. اتفاجئت بس ..
يتسلل اليأس إلى ملامح د. حسن، وتتغير نبرته المتحمسة: ويا ترى.. مفاجأة حلوة ولا مش لطيفة ؟
تصطنع مريم الابتسامة والخجل: أكيد حلوه .. مش متوقعة !
مالت بوجهها إلى ركن الغرفة لتخبئ ما تفضحه ملامحها من القلق، تفحصها د. حسن بتجهم ووجوم، قرأ من ملامحها بأنها لا تريد الحياة مع عجوز مثله، عندها مد يده ليسحبها بإصرار إلى مكتبه، تعجبت مريم من وطأة قبضته على معصمها..
د. حسن : تعالي..هوريكى حاجه مهمة ..

اقرأ أيضاً  مسلسل ميلا - الحلقة الحادية والعشرون

أخذها الفضول إلى هذا الإصرار واللهجة الجدية، دخل المكتب وأغلق الباب بإحكام، ثبت عينيه في عينيها مع ابتسامة رتيبة غير مفهومة..
د. حسن: أنا هعرفك على أهم اكتشاف في القرن الواحد والعشرين..
تعجبت مريم من التصريح؛ ما علاقة الاكتشافات بما عرضه عليها، و لماذا يريد أن يتحدث عن هذا في وقت مفترض فيه نوع آخر من الحديث؟! فتح جهاز الكمبيوتر الخاص به، و بدأ يقلب في الملفات، ثم أضاف:
“طبعاً إنتى لاحظتي التغيرات اللي حصلت لمي.. و بعدها لأم أحمد .. شوفتي رجعوا شباب إزاي؟؟”

ثم فتح ملف للصور يحتوي على تفاصيل لعملية جراحية، ثم أضاف:
“أنا اكتشفت إكسير الخلود! العمر هيبقى صنف ممكن نشتريه من السوبر ماركت! السن هيبقى للفقراء بس! أما الأغنياء؛ فمش من العدل إنهم يعجزوا و يسيبوا ثروتهم اللي تعبوا فيها لجيل من المستهترين يضيعوها! من حقهم يتمتعوا بفلوسهم .. من حقهم يحبوا ويتحبوا ويجددوا شبابهم!”
أصبحت الصور أكثر وضوحاً، كانت لعملية أم أحمد، صورتها واضحة على فراش العمليات برأسها الحليقة، وصور أخرى لشخص آخر مبهم الملامح..
“عشان الأغنياء دول يعيشوا.. هيعملوا خدمة للفقراء اللي مالهمش مستقبل ولا لازمة.. عشان هم يعيشوا.. لازم تنتهي معاناة إنسان بائس مالوش مستقبل.. زي صاحبنا اللي في الصورة ده .. شاب فاشل عمره ما عمل حاجه مفيدة .. لما اختفى؛ ماحدش سأل عليه ..”
بدأت ملامح الشخص المبهم تتضح أمام نواظرها، كانت تبدو مألوفة بشكل مرعب ..
” عشان أم أحمد تستحمل إكسير الخلود.. كان لازم يتنقل لها حاجه في حجم الشعرة .. من مخ صاحبنا ده …”

اقرأ أيضاً  زدني بفرط الحب فيك تحيرا ... ليست مجرد انشاد بل حالة تجسدها رواية عشق

كانت الصورة دقيقة بشكل لا يمكن تجاهله، كانت لأمجد! ذلك الملاك النقي الذي لم تدنسه حقارة الواقع، تقلصت أمعاؤها؛ ثم بدأت الغرفة تدور من حولها في دوائر لا نهائية، سمعت فيها أصوات التشجيع و كركرة الشيشة ورائحة الدخان، رأت عيون أمجد الخجولة تتنحى من عينيها إلى الأرض كعادته، سمعت تهكمات آدم البذيئة على تصرفاته وخلقه، ثم ظهرت أسنان د. حسن البيضاء الناصحة في الأفق بينما يضحك بشكل مبالغ فيه، كبر حجمها حتى كادت تبتلع حوائط الغرفة والأركان، زادت وتيرة الدوران؛ ثم إنطفات جميع الأضواء، وارتطمت بالأرض..
حملها د. حسن بحنان إلى فراش الكشف، تحسس نبضها ثم قام بإفاقتها، أعطاها إبرة مهدئة، ثم تركها لتستريح، وبينما يتحرك في الرواق لاحظ فتاة جالسة على الأرض وتبكي، كانت مي!

مي : آسفه يا دكتور أنى بتقل عليك..
د. حسن: خير يا مي؟؟ مالك ؟
مي: أول ما خرجت من البيت لقيت رجليا جايبانى على هنا.. ده المكان الوحيد اللى برتاح فيه وبلاقى فيه الناس بتهتم بيا
د/ حسن : اهدي بس وفهميني إيه اللي حصل؟!
مي : مش قادرة أتكلم دلوقت .. ممكن يا دكتور تسمحلى أفضل معاكو هنا يومين عقبال ما أظبط أموري؟؟
د. حسن: رأفت بك حصل له حاجه؟؟
مي: مش عايزه أسمع سيرة حد ! عشان خاطري يا دكتور .. انا هحكي لك بس بكرة .. الصداع هيموتني
لمعت عينا د. حسن، كانت فرصة لا تعوض لمتابعة حالة مي عن كثب..
“تحت أمرك طبعاً.. أوضتك لسه موجودة .. دقائق و هحضرها لك.. المهم تعالي نشوف إيه موضوع الصداع ده ..
أومأت مي وتحركت بخطوات طفولية إلى غرفتها، وبدوره أعطاها د. حسن إبرة مسكنة، ثم أستسلمت للنوم ..

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Current track
Title
Artist

Background