مسلسل ميلا – الحلقة الحادية والعشرون

كَتبهفي 8 يونيو 2018

عادت مريم إلى المستشفى وفي سيارتها صينية كبيرة ومن فوقها مجموعة مغلفة من الأطباق، وخلال دقائق، كانت (عفاف) الممرضة قد رصت الصينية والأطباق على طاولة الاجتماعات بغرفة د. حسن، وبدورها ذهبت مريم لدعوته لمأدبة عامرة بأصناف منزلية مصرية عريقة، حلت الأغلفة لتفوح رائحتها الذكية و تعبئ الغرفة، أغمض د. حسن عينيه مستمتعاً:
” الله! تسلم إيدك يا مريم .. أنا كده شبعت!”
مريم: إيه ده ؟ يعنى أنا اعمل ده كله وإنت تشبع على الريحة؟


يبتسم د. حسن بلا تعليق، بينما يضع ملعقة كبيرة من الملوخية في فمه ويزدردها بتلذذ..
شاركته مريم الغداء بسعادة، انتابتها مشاعر دافئة لم تشعر بمثلها في يوم من الأيام، كانت مؤخراً قد زادت من اهتمامها به وبكل تفاصيل حياته من مأكل وملبس، أصبح من المعتاد أن تعد له طعاماً منزلياً وتتشاركه معه، ثم يتجاذبا أطراف حديثاً لا ينتهي، لم يكن حديثاً عاطفياً تافهاً لا رجاء منه، بل حديث العقل إلى العقل، هو الطبيب الناجح المشهورصاحب المال والوجاهه الاجتماعيه، هو أسطورة الأمان التي لم تتحقق من قبل، و لعلها تتحقق!
انسحب آدم سريعاً من البنك، و خلال دقائق كان قد وصل إلى شقة أمجد، طرق الباب على عجل حتى فتحت له والدته..
“أهلا يا آدم يابني .. اتفضل”
دخل آدم إلى الشقة، سألته أم أمجد: مفيش أخبار عن أمجد؟
قالتها بقلب محترق وأعين دامعة..
آدم : أنا كلمت صديق ليا ظابط في أمن الدولة.. وبلغني إنه ما اتقبضش عليه.. كمان للأسف أمجد ملوش
أي أثر لا في أقسام ولا مستشفيات.. حتى شغله ماحدش يعرف عنه حاجه ..
هنا تدخل والده بلهجة تغلبها الحسرة: يعني راح فين يابني؟؟ اتخطف؟
آدم : الله اعلم ..إحنا لازم نجرب كل الطرق.. مافاضلش غير إن حضرتك تروح دلوقتي تعمل محضر في القسم بإختفاء أمجد ، على الاقل يساعدونا !


والد أمجد : لا يا ابني.. اكيد صاحبك مخبي عليك عشان خايف على نفسه.. أنا متأكد إن أمجد معتقل .. أنا عارفهم كويس! دي مش أول مرة .. اعتقلوه قبل كدا وماحدش عرف يوصل له غير بعد ماسابوه!
ثم استطرد بلوعة : خليك بعيد يابني.. مش عايزك تيجي في الرجلين..
رد عليه آدم بينما يستعد للإنصراف: ماتخافش عليا ياعمو .. المهم دلوقت نلاقي أمجد .. صدقني لازم نبلغ الشرطة باللي حصل.. وأنا مش هاسكت إلا لما أعرف أمجد فين .. هيرجع قريب إن شاء الله ..
يغادر المنزل تاركا للأبوين غصة الحسرة، وقد امتلأ عزماً على كشف غموض اختفائه ..
تعود مي إلى البيت متأخرة كالعادة، ليستقبلها رأفت بك مشحوناً بكثير من المشاعر السلبية، فبينما ظل عقداً من الزمان في انتظار رجوعها إلى الحياة؛ فوجئ بأنه لا يعرفها! لم تعد مى المطيعة الهادئة الحنون، أصبحت مهوسة بنفسها وبجمالها وأناقتها، أصبحت دائمة الخروج والسهر، لم تعد تجالسه أو تحادثه، يتقابلا في البيت بالصدفة، ويجر من بين شفتيها الكلمات جراً!
وبدورها مى، لم تعد تكترث بأى شيء، أدمنت حياتها الجديدة كأنثى صغيرة جميلة يلتف من حولها الأصدقاء والمعجبين، يمطرونها بعبارات الغزل والاعجاب والحب، تعلمت كيف تمسك العصا من المنتصف؛ فلا تقبل ولا ترفض، تتركهم في حالة انتظار دائمة، ملتفين حولها منكبين عليها، كانت كهائمة فى صحراء قاحلة ثم وجدت ماء بارد؛ فصارت تتجرعه غير عابئة بالعواقب، تعيش اللحظة بنهم وشغف، ولا يعنيها ما قد يحدث لاحقاً..

اقرأ أيضاً  رواية لعنة المرصد للكاتب : أحمد إبراهيم ريفيوهات الكتب

رأفت : وبعدين يا بنتى معاكى ..هتفضلى كده داخله خارجه مفيش ف حياتك غير الصحاب والفسح والخروج ..أنا تقريباً مبقتش أشوفك ف البيت ..أنا سيبتك الفتره اللى فاتت عشان كنتى خارجه من تعب وقلت تفكى عن نفسك وترتاحى شويا ..بس شايف إن الموضوع مطول معاكى ومش عارف آخرتها
تحاول مي أن تخفي ما تشعر به من دوار: يابابا أنا عارفه أنا بعمل إيه ..وبخرج مع أصحابى أغير جو مش أكتر.. وبصراحه قلقك عليا كل شويا ملوش أي مبرر .. أنا كبيره وعارفه بعمل إيه كويس
رأفت : أيوااا ..الله ينور عليكى ..جبتى مربط الفرس ..إنتى فعلا كبيره مش صغيرة على اللي بتعمليه ده ! المفروض تبقى عارفه واجبك والتزاماتك كأم ..ولا إنتي نسيتي ؟؟
مي : لأ طبعآ مش ناسيه ..بس مش مستوعبة.. يا بابا أنا مش عارفه أتعامل معاه.. خليك مكاني.. فجأه أصحى ألاقى نفسي عندى ابن طولى وعنده حداشر سنه؟؟ أنا معرفش حاجه عنه..غصب عنى يابابا.. متاخدونيش من الدار للنار.. أنا محتاجة شوية وقت ..
رأفت: وقت إيه يا مي ..انتى حتى مبتقعديش مع ابنك ولا بتحاولى تتكلمى معاه أو تقربى منه.. ده انتى حتى رافضة تاخديه معاكى النادى أو اى مكان بتخرجي فيه .. يبقى وقت ايه اللى محتاجاه وانتى متجنباه أصلا ؟؟ الولد كل يوم نفسيته بتسوء … بينطوى على نفسه ومبقاش بيكلم حد ..على مكانش كده يا مي
يتدخل علي و يقاطعهما:
“أنا عاوز أروح عند ماما يا جدو”


نظرت مي لأبيها باستنكار تستشهده، بينما حاول أن يهدئ من علي بنبرة حانية:
“ماما هنا يا على ..مي مامتك”
علي : لأ يا جدو انا عاوز ماما نهى..
تنفعل مي بعيون دامعة:
“شوفت؟ أهو ده اللي باقول عليه.. كلكم مش فارق معاكم البني آدمة اللي فضلتم عشر سنين تستنوها عشان كل واحد فيكم يشكلها على مزاجه .. ولا حد فيكم فارق معاه أنا عايزة إيه .. انهارده إنا وقعت في المستشفى عند د. حسن وماحدش فيكم حس بحاجه .. أنا مليش مكان هنا ..إعتبرونى مت ..

اقرأ أيضاً  مسلسل ميلا - الحلقة الثانية

قالتها وانطلقت خارجة الى المجهول ..

وفي مستشفى د. حسن، يقطع د. حمزة الرواق المؤدي إلى غرفة أم أحمد بخطوات واسعة، زفت له (عفاف) الممرضة الخبر الذي ينتظره الجميع: أفاقت أم أحمد من الغيبوبة وبعد أن أتمت ثلاثة أشهر من تعاطيها عقار ميلا، ولكنها ليست أم أحمد التي دخلت المستشفى منذ ستة أشهر، أصبحت شابة جميلة مشدودة الوجه، ونمى فوق رأسها شعر أسود فاحم ناعم!
و قبل أن يطمئن عليها، دخل إلى غرفة السجلات ليطالع ملاحظات ممرضة المتابعة خلال فترة عدم تواجده، ثم سألها:
“هي فاقت إمتى يا عفاف ؟ وعملت إيه لما فاقت ؟”
عفاف: فتحت عينيها وفضلت تتلفت حواليها.. و بعدين قالت: أنا فين؟..
ثم أضافت:


“آه.. ” ونادت على واحد اسمه قاسم .. فضلت تقول (قاسم إلحقني يا قاسم !)
د.حمزة : يمكن يكون ابنها أو حد قريبها .. طيب حصل إيه بعد كدا ؟
عفاف : مفيش.. لوحدها كدا رجعت غمضت وغابت تانى.. بس أظن انها هاتفوق.. أنا ملاحظة انها نفس حالة مي .. هو ايه اللي بيحصل بالظبط يا دكتور حمزة ؟
زجرها د. حمزة : ما تتكلميش في اللي مالكيش فيه !
مرت ساعات ثم عادت عفاف لتطلب من د. حمزة أن يعاين أم أحمد بعد أن أفاقت، كتب لها دواء لتحضره من الصيدلية كي يختلي بها، تفتح أم أحمد عينيها وتردد: أنا فين؟؟ إنتو مين ؟
سحب من جيب البالطو مرآة متوسطة الحجم ، قربها من وجه أم أحمد بابتسامة ماكرة، ثم سألها:
“تعرفي اللي في المراية دي ؟”
تطلعت أم أحمد إلى المرآة ، ارتعدت يديها بينما تتأمل في ملامح إمرأة شابة تعرفها جيداً، تعرف تلك الجميلة ذات الشعر الأسود والبشرة البيضاء الناعمة، تفحصت يدها لتتأكد بأن تلك الصورة في المرآة هي صورتها، تحسست وجهها بذهول قبل أن ترفع عينيها إلى وجه د. حمزة؛ ثم أطلقت صرخة قصيرة، ما لبثت أن فقدت الوعي بعدها..

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


أكمل القراءة

Current track

Title

Artist

Background