مسلسل ميلا – الحلقة التاسعة عشر

كَتبهفي 5 يونيو 2018

على غير عادته، أفاق (علي) مبكراً مبتهجاً، اليوم سيزور بيته الحقيقي، حيث عائلته التي كان يظنها غير مثالية، ليكتشف بأنه قد افتقدهم بشدة، يفتقد وجباته المفضلة من يد نهى، يفتقد دعابات أبيه السمجة، يفتقد مرحه مع اخوته، وقبل الزيارة، يطلب من رأفت أن يمر بالسوبر ماركت الكبير ليشتري لهم الشيكولاتة والألعاب، ثم يصطحبه إلى بيت طارق، وما أن وصل إلى البيت حتى ارتمى في أحضان نهى بشوق:


“ماما نهى !!”
تجهم رأفت وأحتقنت في حلقه غصة مرة، احتضنته نهى بشوق وغمرته بالقبل، وبعيون دامعات بعبرات التأثر:
“وحشتنى.. وحشتنى أوي يا على .. مكنتش أعرف إنك هتوحشني أوي كده ..”
تهلل وجه علي وابتهج: وإنتى كمان وحشتينى أوى … أنا مش عايز أرجع تانى .. أنا هفضل معاكى هنا على طول
رمق رأفت بك طارق بنظرة بلا معنى، تلقاها بحذر:
“مينفعش يا حبيبي.. لازم نرجع لماما مى..”
تدخل رأفت: هسيببك بقى يا علي.. وهعدي آخدك بكرة الصبح..
طارق: ما بدري يا رأفت بيه ؟
رأفت: هجي بكرة إن شاء الله .. سلام..
وما أن أغلق الباب حتى انفجرت نهى في وجهه:
“يرجع فين … طبعا.. ما أنت واخدها حجة عشان تروح للست هانم ..
قاطعها على: وهى ماما مي حد بقى بيشوفها؟! على طول بتخرج ومش بلاقى حد يقعد معايا.. أنا مش عايز أرجع .. أنا عايز أقعد معاكو هنا ..
قالها و قد اغرورقت عيناه بالدموع، نظر إليه طارق وعلى وجهه ابتسامة غير مريحة قائلا : هترجع ياحبيبي .. أوعدك انك هترجع … بس لازم نقنع جدو رأفت الأول! ما تقلقش .. أنا هتصرف
رمقته نهى بنظرة ملأها الفضول، ثم أضاف..
” أنا هروح لرأفت بيه وهشوف ممكن أعمل إيه ..”
في مكان آخر

زفر آدم بملل بينما يضع سماعة الهاتف منهياً حديث طويل ومضجر مع (حنين)، مازالت تطالبه بحب المدارس الثانوية! بالمكالمات المطولة والأحاديث العاطفية زهرية اللون! يتصورها تحتضن دب قطني ضخم وقد ارتسمت مئات القلوب في مقلتيها؛ بينما عقصت خصلتين من شعرها على جانبي رأسها الدقيق! كشخصية من كرتون الـ (مانجا) الصينية بتعبيراتها المبالغ فيها وتضاحكها على كل ما هو سمج من الحديث! رشف بعضاً من قهوته المرة من فنجاله الذي برد انتظاراً لانتهاء المكالمة الطويلة، سحب نفساًَ طويلاً من الهواء ملأ به رئتيه؛ ثم زفره ساخناً في محيط غرفته الخاوية، قلب في رسائله على الموبيل عسى أن يجد فيها ما يسري عنه؛ فهو يعاني بشدة من الأعراض الانسحابية لحياته الماضية، تتحرش بأفكاره آلاف من الشياطين، تغرس شوكاتها المحماة في أطرافه وأجزائه الحميمة! يحن إلى إمرأة ناضجة لا تضيع الوقت في تراهات عاطفية أو دعابات طفولية، أنثى تحرك نوازعه الحيوانية، فيلتقمها بين فكيه و يعصف بها عصفاً!
ومن بين الرسائل، يكتشف بانه لم يتحدث إلى أمجد منذ أكثر من ثلاثة أشهر! تعجب آدم بشدة، صحيح أنه في العادة لا يكون هو المتصل بل المعتاد أن يبادر أمجد بالاتصال مستهلاً بجملته الشهيرة:
“أنا عارف إنك ندل ومش هتتصل .. ”
أين ذهب ذلك الشيخ العنيد؟ ألم يشتاق إلى إصلاح شيطانه المريد؟ ألا يريد أن يشبع في نفسه شهوة الفضيلة وإملاء النصائح؟ غير وارد منه أن يكون غاضباً إلى هذا الحد وبسبب عراك أبله! أم استطاعت مريم أن تعبث بعقله وتحوله إلى صفها؟ غير معقول! أمجد شخص صالح؛ من المستحيل أن ينساق وراء تلك العاهرة!
أمسك آدم هاتفه مقاطعاً هواجسه السوداء، اتصل بأمجد ليكتشف أن رقم هاتفه المحمول مرفوع من الخدمة، زادت حيرته فاتصل على هاتف المنزل:


“ألو ؟!!”
آدم : إزيك يا طنط عاملة إيه ؟!
ترد والدة أمجد بانفعال: آدم حبيبي.. إزيك؟؟ عامل ايه ؟
آدم : الحمد لله يا طنط .. إزي عمو عامل إيه ؟!
تتغير لهجتها: الحمد لله على كل حال يابنى ..
آدم بفضول: عايز أكلم أمجد بعد اذنك
ألقاها ولم يجد من مجيب، فتسائل:
“طنط حضرتك معايا ؟!”
ردت والدة أمجد بحزن : هو إنت معرفتش ؟!
تجهم آدم بقلق : معرفتش إيه ؟ خير يا طنط ؟! أمجد فين ؟! أمجد حصل له حاجة ؟!
والدة أمجد: أمجد مختفى بقاله كام شهر.. وإنت عارف اختفاءه ده معناه إيه.. شكلها زي المرة اللى فاتت لما أخدوه أمن الدولة وما عرفناش عنه حاجه.. فضل مختفي لغاية ما افتكرناه مات! لحد ما الشيخ عبد الحميد ربنا يستره طمننا.. حاولنا نسأل عليه وكالعادة قالوا مافيش حد بالأسم ده!
آدم : إيه اللى بتقوليه ده يا طنط ؟!! أمجد اتقبض عليه؟؟ إزاى وليه ؟! هو مش كان ساب الجماعة اياها اللى وديته فى داهية دى وبقى ماشي فى حاله؟؟ إيه اللى حصل ؟؟ وإزاى محدش فيكم يعرفنى حاجة زي دى ؟؟ ده أمجد ملوش غيري وإحنا متربيين سوا مع بعض !!!!
والدة أمجد : إحنا اسفين يابنى .. خلاص اتعودنا على سكة المعتقل .. الناس دى مافيش في قلبها رحمة ..
آدم : ازاى تقولى ..
يصمت آدم ليمتص غضبه واستنكاره لسلبيتها، ثم يضيف:
“أنا مستحيل أسيب أمجد كده .. أنا هتصرف .. سلام”
أغلق ادم الهاتف منفعلا ليلتقط انفاسه ثم عبث في أرقام هاتفه حتى وصل إلى مراده، وبلهجة تسودها الرسمية والتبجيل:
“محسن باشا إزى معاليك ؟!”
محسن : تمام الحمد لله إزيك يا آدم .. عملت إيه في التحويل؟
آدم : زى الفل يا فندم.. التحويل اتعمل ومحدش ممكن يعرف إن الحساب ده تبع سعادتك.. اتطمن يا فندم ..
محسن : تسلم دماغك! ما نتحرمش يا وحش!
آدم : يافندم احنا تحت أمرك فى أى وقت … أنا بس كنت بستأذنك فى مساعدة بسيطة لو تكرمت
محسن : يا خبر .. اللى إنت عايزه .. خير؟
آدم : فيه واحد صاحبي اسمه أمجد إحتمال يكون موجود عندكم فى الجهاز .. ينفع سعادتك تطمنا عليه؟ محسن : مش ده الواد اللي اتمسك قبل كده ولمينا الموضوع؟ هو رجع للشقاوة تاني؟ مش هعرف اخدمك المرة دي يا آدم! كده اسمي هيتلط!
آدم: لا يا فندم مش القصد.. أنا بس عايز أعرف إن كان عندكم و لا لأ!
محسن: هشوف.. سيبني يومين كده و هرد عليك..
آدم : متشكر يافندم .. مش عارف أقول لحضرتك إيه
محسن : العفو.. بس لو فعلاً ممسوك أنا مش هعرف أخدم .. أعذرني العين عليا!

اقرأ أيضاً  مسلسل ميلا - الحلقة السابعة

وعلى الهاتف في مكان آخر، يتلقى رأقت بك تليفون من السكرتيرة تستأذنه بدخول طارق..
رأفت متأففاً: خليه يدخل …
يدخل طارق بانتشاء بينما يهتز كل سنتيمتر في قوامه المتهدل كقالب الجلي! يستقبله رأفت ببرود:
“خير يا طارق ؟! مش بعادة يعنى تيجي ليا المكتب ومن غير ميعاد!”
رد طارق باقتضاب : علي يا رأفت بيه .
رأفت بهلع : حصل له حاجه؟!!
طارق: بعد الشر.. على حالته النفسية بقت صعبة جدا وطول بيعيط .. إنت طبعاً عارف إنه في سن صعبة ومحتاج حد يقعد معاه ويخلي باله منه .. وطبعا مي هانم مش فاضياله! حياتها الجديدة واخدة كل وقتها!
يعتدل رأفت في مجلسه: مالاكش دعوة بمي.. كفاية اللي عملته فيها .. لازم تاخد فرصة عشـ..
قاطعه طارق محتداً : فرصة إيه ؟! لحد امتى هنفضل نتحجج بالعملية .. مي فاقت وبقت زي الفل .. بس هى عايشة دور المراهقة ومش مستوعبة إنها فى التلاتينات وعندها ابن عنده حداشر سنة ..
يصك رأفت على أسنانه و تتجمع قبضته، بينما يحاول جاهداً أن يتمالك نفسه..
يضيف طارق بابتسامته المستفزة: عموماً ما تقلقش.. أنا هاحلها.. علي هيرجع معانا.. على الأقل هيلاقى نهى.. تربيه وتخلى بالها منه .. متنساش إن هى اللى ربته من الأول! وللأمانة بتحبه زي ابنها و اكتر.. ولما مي تاخد فرصتها وتعوز علي أهو موجود.. بس بعد أذنك يا ريت ترجع مصروفه على عشان زى مانت عارف علي متعود على مستوى معين .. وللأسف مش هقدر أوفره بالمرتب بتاعي !
نظر اليه رأفت بوجوم: خليني أكلم مي وهرد عليك ..

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Current track

Title

Artist

Background