مسلسل ميلا – الحلقة الثامنة عشر

كَتبهفي 4 يونيو 2018

مرت ثلاثة أشهرعلى خروج مي من المستشفي، أصبحت شخصا آخر ملئ بالحيوية والنشاط، صار لديها العديد من الأصدقاء من الجنسين تقضي معهم معظم وقتها في النادي، ثم تعود في المساء في وقت النوم، وفي الصباح تعاود الكرة مرة أخرى، بينما نسيت تماماً أمر (علي) الذي ظل ينتظرها طوال السنوات الماضية عسى أن تفيق وتكون له أماً لم تتحقق إلا في خياله، كان من الصعب عليها أن تبرر وجود طفل في هذا السن بين اصدقائها، سيفتح عليها الكثير من الأسئلة عن عمرها وعمره وشكلها وقائمة طويلة من الاستفسارات، كما سيقوض ما لديها من فرص للتمتع بالحياة، بينما أرهقت الوحدة (علي) و أضناه الفقد، يشتاق إلى عائلته التي ألفها: إلى (نهى) أمه التي ربته، وأبيه طارق وأخوته، وكلما أتاه الشوق طلب زيارتهم أو مكالمتهم، ومع الوقت، لم يعد يكترث كثيراً بمي، في كل الأحوال هي لا تجالسه ولا تتحدث إليه، بل وترفض أن تصطحبه معها إلى أي مكان..
و بينما كانت تستعد مي للخروج، استوقفها عند الباب:


“ماما ماما … إنتي هتخرجي بردو النهاردة؟”
مي ترد باقتضاب : “آه يا علي” .. وأسرت في نفسها “ماما ايه بس.. ده انت أطول مني!”
علي مترجياً: طب هتتأخري
مي بضجر: معرفش
علي بيأس وأسى: طب خديني معاكي .. أنا زهقان من القعده لوحدي .. أروح العب في النادي!
مي وقد بدأ يفيض بها الكيل: أووووووف… المره اللى جايه يا علي.. المره اللى جايه.. وسع من وشي هتأخرني برغيك ده!
أطلقتها وخرجت من الغرفة، لينهارعلي ويفقد السيطرة على مشاعره، فيستوقفها رأفت عند باب المنزل
رأفت: إنتي هتخرجي يا مي؟
مي بضجر محاولةً أن تضبط إنفعالها: أيوة يا بابا
رأفت: يابنتي إنتي مزهقتيش من الخروج؟ اقعدي مع ابنك اللي إنتي سايباه ده ليل نهار.. الولد محتاجك.. الناس هتقول إيه بس؟؟


مي في محاولة مستميتة لضبط النفس كي لا تنفجر في وجه أبيها: حاضر يابابا .. بكره مش هخرج وهقعد معاه.. ولو حبيت أخرج هخرج أنا وهو.. سلام بقى يابابا !!
وفي ثوانٍ معدودات، كانت قد خرجت من البيت واندفعت إلى الشارع..

اقرأ أيضاً  رواية ملكوت -لشريف عبدالهادي

في المستشفى، وعلى مدار الشهور الثلاث الماضية، سادت حالة من الرعب في غرفة الانعاش؛
مازالت المريضة المريبة على حالتها بغير تقدم، بينما ظهرت عليها أعراض أشد غرابة! بدأت ملامحها بالتغير، زادت وتيرة التشنجات والارتجاجات في سائر الجسد، ضربتها نوبات عنيفة من الصرع، ثم بدأت ملامح الجلد في التغير، أصبح مشدوداً كغشاء من المطاط، صار متماسكاً صلباً؛ وتغير لونه بشكل ملحوظ، أصبح أفتح و أنضر، بينما إنتفخ الوجه وامتقع باللون الأحمر القاني، واختفت التجاعيد تحت الذقن وحول العينين، تماسكت الشفتين و أكتنزت بشكل ملفت، شاع في المستشفى بانها قد تلبسها الجان! ثم امتنع طاقم التمريض عن الإقتراب منها أو مباشرة حالتها، فاضطر د. حسن إلى نقلها في غرفة منفصلة، وجهزها بجميع المعدات اللازمة، لم يعد يباشر الحالة غير د. حمزة والممرضة (عفاف) التي يثق بها د. حسن، ومن تلك الأعراض، تيقن د. حمزة من وجود تلاعب ما، كانت نفس الأعراض التي تعرضت لها مي بعد استخدام العقار ميلا، فقرر أن يواجهه..

اقتحم د. حمزة غرفة د. حسن في حالة عصبية شديدة، كان جالساً على كرسيه بينما كانت مريم تدلك كتفه في مشهد رومانسي واضح! رمقها حمزة بنظرة استنكار بينما امتقع وجه مريم بالخجل، حاول د. حسن أن يغير دفة الحوار الصامت بين العيون:
“فيه ايه يا حمزة؟ داخل بزعابيبك كده ليه ؟!”
كان الشرر يتطاير من عين د. حمزة بينما انتفخت عروق وجهه من فرط التأثر:
“سؤال واحد.. إنت استعملت العقار بتاع البحث على أم احمد ؟؟”
ابتسم د. حسن بهدوء وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ أمد، حاولت مريم أن تستأذن، ولكنه رفض..
“بص يا حمزة.. إنت جراح شاطر وعارف إن أحياناًَ بنضطر ناخد قرارات صعبة عشان العيان يعيش، ممكن نضطر لبتر عضو مصاب عشان ننقذ باقي الأعضاء.. ولما المريض بيفوق.. أكيد مش بيبقى مبسوط إنه بقى عنده عاهة.. لكن الأكيد إنه أحسن له من الموت .. دي وظيفتنا اللي بنعملها كل يوم ..”


استعدل من نظاراته و أضاف:
” أم أحمد لما جت لي كانت في حالة سيئة جداً.. عملت لها العملية رغم سنها.. وإنت عارف كويس إن عملية زي دي في السن ده احتمال نجاتها قليل.. اشتغلت عشر ساعات عشان أديها فرصة للحياة.. لكن وبالرغم من كل اللي عملته.. فضلت بين الموت والحيا.. تمام زي مي .. كنت عايزني استنى عشر سنين؟ أكيد كان لازم أعمل اللي عليَا عشان تعيش .. ”
د.حمزة بغضب: تاني يا دكتور؟ مش قلت لك مش عايز أبقى جزء من تجاربك دي؟! ليه تحملني نتيجة مجازفاتك؟
ثم استطرد مهدداً: أنا لغاية دلوقت مراعي إنك أستاذي ومش عايز آخد أي إجراء ضدك وأريح ضميري.. لكن مش هقدر يا دكتور.. أنا لازم اسيب المستشفى ..
تتدخل مريم: ليه كده بس يا دكتور حمزة؟ ده أنت المستشفى قايمة على كتافك.. د. حسن معتمد عليك في كل حاجه .. هتضيع مجهودك اللي عملته كل السنين اللي فاتت دي ؟؟
د. حمزة: مش قادر يا مريم .. إحنا ما نعرفش لسه إيه اللي هيحصل لمي اللي خرجت من المستشفى بعد ما جربنا فيها مادة مش عارفين لسه أعراضها الجانبية.. نقوم نجرب في حد جديد؟
ثم وجه خطابه إلى د. حسن: أنا قبل ما أكون جراح فأنا دكتور يا دكتور! .. العيان اللي بين إيديا أمانة .. ما ينفعش أعمل في جسمه أي حاجه من غير إذنه .. أنا قبلت في حالة مي بعد ما اتأكدت إن أهلها عارفين إنت بتعمل إيه .. لكن ده مش معناه إننا نفضل في الدوامة دي ..
ثم أضاف: د. حسن .. استقالتي ح تبقى على مكتبك خلال ساعة ..

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Current track

Title

Artist

Background