مسلسل ميلا – الحلقة الخامسة عشر

كَتبهفي 31 مايو 2018

بشكل طفولي، دلفت مى إلى غرفة مريم بالمستشفى وقد نشأت بينهما علاقة ألفة ومودة منذ أن أفاقت من الغيبوبة، أصبحتا صديقتين مقربتين، الأولى وجدت فيها شخص يتعامل معها بدون تكلف أو اعتبار لظروفها الصحية، والثانية وجدت فيها رفيق خفيف الروح والدم لتمضي معها وقتا ممتعا وتتشارك براءة قد فقدتها منذ عقود! كانت مريم مستلقية على سريرها تعبث بهاتفها الذكي، بينما انقضت عليها مي بنظراتها الفضولية لتسترق النظر إلى هذا العالم السحري..
مى : عاملة ايه ؟!
ضحكت مريم: الحمد لله أحسن .. مفيش غيرك إنتى ود. حسن اللى بتسألو عليا .. فيكم الخير والله
مى : متقوليش كده.. إنتي أختي .. من ساعة ما صحيت في المستشفى وأنا مش شايفة غيرك إنتى و د. حسن و د. حمزة و بابا .. إنتو بقيتوا عيلتي ..
ثم عاودها الفضول: بتعملى إيه بالموبايل ده ؟!!
مريم : ولا حاجة .. قاعدة على فيسبوك ..
مى : إيه ؟!!! فيس إيه ؟!!
مريم : فيسبوك .. موقع تواصل اجتماعى .. حاجة كدا زي شات الياهو بتاع زمان .. فاكراه؟.. بنتعرف على ناس جديدة ونتكلم مع أصحابنا ونعرف أخبار الدنيا ..
مى : اممممم .. ده أنا كنت أربعة وعشرين ساعة عليه .. وماما تقعد تزعقلي قومي من على الزفت دا!!
تضحك مريم بصوت مسموع: بصى هاتى موبايل زى اللى معايا ده أو أى موبايل حديث وأنا هعلمك عليه كل حاجة …
أصابت مي خيبة الأمل وقطبت عن حواجبها بشكل طفولي: ماشي .. هسيبك انا بقى ترتاحى .. سلام ..
مريم : تسلمي يا حبيبتي..
خرجت مى وتركت مريم لشرودها وهواجسها، مازال الفؤاد يئن بكثيرمن الالم، كان عمراً أرادت أن تحياه حتى أبى عليها الحياة، كان سعادةً مسترقة في ظلماء تاريخها التعس، كان الأمل؛ في وقت كان اليأس هو كل مخزونها من الحياة، تتابعت على قلبها الذكريات القديمة، حينما كان لها بيت ورجل، وعشق وتفاني؛ ثم عقاب على ذنب لم تقترفه، مرارة الشعور بالنقص؛ حينما تكتشف بأنها لن تصبح أماً في يوم من الأيام، وتتابعت مشاهد حياتها الماضيه مع طليقها وما عانته من مرارة القهر والظلم لأمر لم تمتلك فيه الخيار، ما ذنبها ليذيقها الذل والتأفف؟ ثم يتركها عرضةً لنظرات أهله تنهشها بعباراتهم السخيفه فى كل مناسبة، تذكرت الخذلان؛ حينما لجأت إلى بيت أهلها، فلم تجد منهم إلا عبارات رثة جميعها بطعم التخاذل، لتصبح رخيصة بالية بلا كرامة ولا سند؛ فييقحم عليها بيتها ببقرة أخرى! ضرع ضخم ليسقي به ذريته اللعينه، وعندما اعترضت، كوفئت بثيابها و أغراضها مبعثرة على الأسفلت، ومن فوقها لحمها الذي رخُص ولم يجد من يستره..


تتابعت خيوط الدمع من المقل، أعوام بنت فيها نفسها بنفسها، استنزفت فيها طاقتها وروحها؛ حتى تعرفت على آدم: ذلك الشاب الوسيم المهتم المرح، دائم السؤال والبحث والترقب، أول من قدم يد المساعدة ولو بالكذب، كيف لها مقاومة كل ذلك؟ اخترق درعها الحديدي إلى روحها الهشة، بث فيها نبضة حركت الدماء الراكدة، إعتلت وجناتها وأضائت عينيها بوميض الحياة، باتت أصبى وأجمل، صار الجميع يسألها ما لها! صحوة الحياة من رحم الموت؛ فإنجرفت معه بلا مكابح، فجرت مشاعرها المكبوتة ولم تضن عليه بشئ تملكه، كل وقتها وقلبها وجسدها ومالها، إنهمرت دمعاتها حارقة موجعة، انتفضت إلى الشرفة وكأنها تنفض عن جسدها غباراً حاراً، قررت أن تبدأ من جديد؛ وقبل أن تبدأ، لن تترك ثأرها كما فعلت أول مرة، لن يهنأ آدم بحياته من دونها، تراودها من الجحيم جميع الأفكار الجنونية، تلظى بحمم من غليل وانتقام، ونهاية لم تجتمع حروفها بعد!
وعلى باب غرفة الانعاش، يهرول د. حسن وعم فوزى بسرير متحرك اخترقت عجلاته طرقات المستشفى، ترقد عليه أم احمد تحت تأثير المخدر، معممة بضماضات غرفة العمليات، استقبلهم د. حمزة متسائلا بينما يتفحصها باستغراب و فضول:
“مين دى يا دكتور حسن وإيه اللى حصلها ؟!”
أجابه د. حسن متوتراً: دى ست غلبانة ساكنة عندى فى العمارة.. تعبت ولما كشفت عليها لقيت عندها ورم فى الفص الصدغي وكان لازم يتشال فى أسرع وقت ممكن … شيلتهولها.. لكن حصلت مضاعفات بعد العملية.. عايزك تتابع الحالة دى كويس وتبلغنى بأى تفاصيل جديدة ..

أطرق د. حمزة محاولاً استيعاب قصة د. حسن بشك كبير: بس عملية زى دى خطيرة جدا وعادةً نسبة نجاحها ضعيفة.. دي كان ممكن تموت فيها.. وخصوصا فى سنها ده!
رد حسن بلهجة صارمة: الحالة كانت متأخرة يا دكتور.. لحقتها بالعملية … بطل رغي وتابع الحالة وبلغنى لو فيه أي جديد ..
ثم انصرف منهياً سيلاً من أسئلته الفضولية!

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.


Current track
TITLE
ARTIST

Background