مسلسل ميلا – الحلقة الرابعة عشر

كَتبهفي 30 مايو 2018

” اتفضل “

قالتها مريم بصوت مرتفع نسبياً ردا على طرقات خفيفة على باب غرفتها، يفتح الباب ويدخل طبيباً ثلاثيني العمر متوسط الطول يحمل في يده دفتر مذكرات معلقاً به قلم أنيق، يقترب من المقعد المجاور لكرسيها ويخاطبها بابتسامة هادئة: 
السلام عليكم يا أ. مريم، ممكن أدردش مع حضرتك شوية بعد إذنك؟
مريم : طبعاً.. اتفضل يا دكتور فارس.. أهلا بيك.. خير؟
فارس : أكيد خير يا فندم، إن شاء الله أنا اللي هاكون مع حضرتك في برنامج التأهيل النفسي، أكيد حضرتك متفهمة إن اللي حصل لك مش شوية، وأكيد هاتحتاجي لمساعدة حد متخصص لحد ما نتجاوز الأزمة إن شاء الله..
تطلق مريم زفرة طويلة، و تجيب: إن شاء الله..
تعتدل في جلستها وتتخذ وضعية رسمية: بس بما إننا هاناخد وقت مع بعض.. ليا طلب من فضلك .
يبتسم فارس: اتفضلي
مريم : ياريت ترفع التكليف وتكلمني زي أي حالة عندك..
فارس (بنفس الابتسامة البسيطة) : مادام دا هايريحك.. تحت أمرك..
قطع ابتسامته وفتح دفتر المذكرات، ثم أضاف بلهجة أكثر جدية:
مبدئيا عشان نلاقي الحل، لازم نعرف إيه هي المشكلة، مش هتفرق إيه هي الأعراض اللي نتجت عن الانهيار عصبي، المهم السبب..
مريم بشرود : أيوه..

قالتها وكأنما نُكئت جراح قلبها؛ فانسال به خطاً من الدموع على الوجنات، وبتلقائية سحب فارس منديلاً لتكفكف دمعاتها، ثم عاد لابتسامته، اتخذ لهجةً أكثر حازماً:
طبيعي ان الأمر محزن وصادم.. رغم إني لسه معرفش إيه هو؛ لكن ضروري جدا تهدي وتكوني متأكدة إني هنا عشان اساعدك..ها .. إيه اللي مزعلك بقى؟
مريم ( بصوت باكي ) : زعلانة على نفسي جداً ، حاسة إني خسرت كل حاجة !
فارس : مشكلة مالية؟
مريم : ياريتها فلوس! أنا الفلوس عندي مكفياني وأكتر.. كنت بضيعها على ناس ما يستهلوش!
فارس : أزمة عاطفية ؟
تضغط مريم بمقلتيها فوق العينين، تعتصر دمعةً موجعة: أيوه.. مش عايزة أتكلم .. مش قادرة..
فارس: مش محتاج تفاصيل دلوقتي.. كفاية إننا عرفنا المشكلة..
ثم استطرد:
إحنا مش هانبدأ كورسات العلاج دلوقتي.. كل اللي عايزك تعرفيه إنك ما كنتيش السبب، كلنا بنمر بتجارب، والطبيعي إن الإنسان يعمل كل اللي عليه عشان يحافظ على العلاقة، ولما الطرف التاني ما يحافظش عليها، أكيد مش هيبقى ذنبنا!
ثم أضاف:
هنشتغل على الماضي وهنركز على ثقتك في نفسك.. ثقة الإنسان في نفسه وفي قدراته هي أول الطريق للخروج من المشكلة، الحياة مش مجرد طريق مستقيم مفروش بالورود.. طبيعي إن الانسان يقع، لكن بشوية ثقة في النفس.. بيقدر يقوم ويعافر.. كلنا معرضين لاختبارات من ربنا.. ودايماً الاختبار بييجي في الحاجات اللي بنحبها.. والسؤال الصعب دايماً: الحاجه اللي بنحبها دي .. مين اللي جابها؟ وهنا بنتقسم فريقين.. فريق مش بيفكر في المسبب وبيتعامل مع الحاجه دي على إنها حق ضايع.. ويبدأ رحلته في الشك في قدراته وفي قدرة اللي خلقه.. وفريق بيرجع السبب للمسبب.. بيعتبر الخير اللي كان عنده (رزق) وانتهى وقته! وأكيد اللي رزقه بيه هيرزقه بغيره… يبقى كل المطلوب شوية صبر وشوية إيمان.. ومع الوقت .. والرضا بالمقسوم.. هترجع الثقة في النفس وحسن الظن بالله.. وبالنسبة للتفاصيل، المرة الجاية !”
تبتسم مريم ابتسامة صفراء: حاضر.. شكراً يا دكتور..
يغادر فارس الغرفة؛ وبمجرد خروجه تنكفئ مريم جانبا وتطلق لدمعاتها العنان، بينما تكرر بصوت بائس: “الكلب الحقير!”

اقرأ أيضاً  مسلسل ميلا - الحلقة الثامنة

أسفل المستشفى ، في غرفة العمليات السرية، يستقبل عم فوزي د. أشرف دكتور التخدير، يجلسه في غرفة الاستراحة قليلاً حتى يتم إعداد الغرفة وتسكين أم أحمد وأمجد على الأسرة المعدة للعملية.
د. أشرف طبيب تخدير مرتزق، ظل معاوناً لأطباء يقومون بعمليات غير قانونية حتى انكشف أمره وضاع مستقبله الطبي، تم إيقافه عن العمل بعد ضبطه في أحد العمليات؛ فجعله هذا الإيقاف محترفاً في عالم العمليات الغير أخلاقية، بل ودر عليه أموالاً طائلةً لا طاقة لطبيب تخدير متواضع في مثل مؤهلاته بها! قام مؤخراً بمعاونة د. حسن في عدد من التجارب المماثلة، يتميز بالكتمان، فهو طرف من أطراف العملية وأي وشاية بالاحرى ستكون حجةً عليه، تعرف على د. حسن عن طريق عم فوزي منذ سنوات، واستمر شريكاً دائماً له في مثل هذه العمليات..
يدخل د. أشرف الغرفة و يبدأ عملية التخدير، يثني على عم فوزي براعته في إعداد الغرفة والمرضى، كان السريرين في منتصف الغرفة، يستلقي عليهما أمجد وأم أحمد و قد كشف عن رأسيهما الحليقة بينما غطى بعناية بقية الجسد، الغرفة واسعة جداً ومجهزة بأحدث التقنيات العالمية في مجال جراحة المخ والأعصاب، رصت المعدات المعقمة بعناية قرب السريرين وتم إعداد أكياس الدم استعداداً لأي طوارئ..

يدخل د.حسن مرتديا زي العمليات المعقم، يتأكد من جميع التفاصيل، ويراجع التحضيرات بتركيز شديد مع عم فوزي، بدت في عينيه ابتسامة الرضا بينما حان الوقت لدخول التاريخ..
تحسس د. حسن طاولة الأدوات الجراحية وتمم على المناظير بطريقة ميكانيكية، بدأت ساعة العمل، اتجه إلى شاشة التحكم وبدأ إعدادات التسجيل للعملية بالكاميرات المعلقة في كافة أركان الغرفة، ركب مايكرفون لاسلكي في سترته ليسجل ملاحظاته أثناء الجراحة، ثم استدار برتابة إلى مشغل الموسيقى ليطلق معزوفة (شهرزاد) للموسيقار الروسي (كورساكوف)، و على أطراف أصابعه تحرك بخفة مايكل فوكني راقص البالية، و بدأ الرقص على أوتار الجنون!
رمقه عم فوزي بابتسامة، بينما اعتكف الأخير في محراب عالمه فائق الدقة، قطب حاجبيه بتركيز و بدأ العمل، تناغم أزيز المنشار الطبي مع موسيقى كورساكوف حتى انتهى من فصل الجزء العلوي من جمجمة أمجد، ها قد وصول إلى غايته، تواترت اصابعه بعناية حتى وصلت إلى الحصين ونجح في استئصال الخلايا العصبية القريبة منها، حفظها بعناية إستعداداً لزراعتها في الخلايا العصبية لأم أحمد، بينما ترك أمجد لمصيره بعدم اكتراث..
نقل تركيزه إلى أم أحمد، بدأ بحرص في شق الجزء المناسب من جمجمتها، ثم بدأ بدقة شديدة في زراعة الخلايا التي استأصلها في الخلايا العصبية ..

بعد عشر ساعات من العمل الدقيق والتركيز الرهيب، إرتسمت ابتسامة في عيني د. حسن بينما يعيد عظام جمجمة أم أحمد إلى مكانها؛ حتى باغتته صافرات الإنذار لأجهزة القياسات الحيوية المتصلة بها في الطنين مخيف، إنهارت القياسات الحيوية، إرتفعت معدلات ضخ الدم بصورة جنونية؛ ثم سقطت في هبوط مفاجئ حتى اصابت حاجز العدم، صرخ د. حسن في فوزي ليحضر جهاز الصدمات الكهربائية، ثم كبسه على صدر أم أحمد مرةً تلو الاخرى حتى بدأ القلب يعمل بشكل مضطرب، وبمهارة أتم د. حسن اللمسات النهائية لعمليته المعقدة استعداداً لنقلها إلى غرفة العناية المركزة الموجودة في المستشفى بالأعلى؛ كان ولابد أن تخضع لطاقم إشراف عالي المستوى وإلا فقدها، تحرك على عجل بمساندة عم فوزي ودخل على غرفة العناية المركزة بين دهشة الجميع..

اقرأ أيضاً  رواية الجريمة والعقاب

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Current track
Title
Artist

Background