مسلسل ميلا – الحلقة التاسعة

كَتبهفي 25 مايو 2018

” صباح الخير ”
قالها د. حمزة وقد تهللت أساريره بمجرد دخوله غرفة (مي) وبصحبته ( عفاف ) الممرضة المناوبة على حالتها..
واستطرد: ما شاء الله.. إحنا بقينا عال قوي!
ثم غمز بعينه مرحا : إيه الجمال والحيوية دي؟!
ضحكت مي في إعياء وتمتمت : جمال إيه بس؟! قول لي يا دكتور.. أنا بعمل إيه هنا؟ وإيه الأسلاك والخراطيم اللي عليا دي كلها ؟!!
د. حمزة : لااا.. دا موضوع يطول شرحه، لو فاضية ممكن أقعد أحكيلك اللي حصل في العشر سنين اللي فاتوا، بس الأحسن دلوقتي تريحي أعصابك وتتحملي معانا كورسات العلاج .. الأيام جاية كتير!
مي: فين ماما و بابا؟ وعلي ابني ؟ أنا فاكره إني كنت مسافرة إسكندرية .. و تقريباً حصلت حادثة.. علي وطارق فين يا دكتور؟ علي كويس؟حصل له حاجه؟ طمنني يا دكتور لو سمحت !
بدأ التوتر يطفو على صفحة وجهها منذرا بنوبة جديدة من الصرع، تحسسها د. حمزة بحاسته الطبية..
د. حمزة : علي زي البمب! على طول بيزورك، وباباكي لسه نازل من هنا مكملش ساعة..
مي : علي بيجيلي!
د. حمزة قاطعها : حضرتك لازم ترتاحي.. الكلام أخد كتيرمن طاقتك، وفيه حاجات كتير لما ييجي الوقت المناسب هاتعرفيها..
قالها بينما تتحرك أصابعه بطريقة ميكانيكية لتحقن (الكانيولا) بالمهدئ ليبدد ما جمعت من أفكار سلبية، بدأت الكلمات تتلاشى فوق شفتيها حتى إستسلمت للخدر اللذيذ..
خرج د. حمزة من غرفتها وأجرى اتصالاً سريعاً بوالدها ليخبره بالمستجدات، و بأنه يستطيع أن يزورها اليوم وحده و لمدة محدودة.. ثم التفت إلى عفاف متسائلا :
– أومال د. حسن فين ؟ طول اليوم مش ظاهر رغم إن عربيته تحت في جراج المستشفى!!
عفاف : د. حسن دخل مكتبه وقفل على نفسه كالعادة.. وبلغ السكرتارية إن ممنوع إزعاجه.. بيقول بيشتغل على بحث مهم..
د. حمزة مغمغما بصوت بالكاد يسمع : ربنا يستر.. مش بأطمن لأبحاثه!
حينها وفي معمل د. حسن السري أسفل المستشفى، كان د.حسن قد بدأ سلسلة جديدة من الإختباراتـ مواصلا في إصرار تجربته لإحتمالات أخرى غير التي أثبتت فشلها، يتنقل فيها بين الطاولات المتناثر عليها أنابيب الاختبار وشرائح العينات وأجهزة الميكروسكوب الفائقة بينما أفكارا براقة تحاصر عقله من كل إتجاه، وقد بلغت به إثارته درجة أنه راح يتحدث إلى نفسه بصوت مرتفع!!
فشل التجارب السابقة مش معناه الاستحالة ، بالعكس مفروض كنت أفهم إن فشل التجارب السابقة بيقربني أكتر من تحقيق المطلوب، أكيد مش صدفة يعنى!! زي ما نجح على مي لازم ينجح على غيرها!
يدقق في عينة على شريحة دقيقة ليتفحص النتائج..
– اللي حصل معاها ده ح يغير مسار البشرية! هو ده السبق العلمي و لا بلاش!
يحقن العينه بقطرة من سائل لزج..
– مش أقل من نوبل! نوبل ايه !؟ ده كفاية انه ح يرجع لي شبابي!!
تتلاشى حالة النشوى من على وجهه لتنم على نتائج محبطة..
– لسه شوية..
ينتقل إلى ركن معزول يشبه سفينة الفضاء، يلتحم بماكينة قد لا يكون لها مثيل في أرجاء الشرق الأوسط كله! وفي صندوق زجاجي، تتعامل آلات مجهرية على مخلوق صغير مسكين، تشق رأسه و تقتلع جزءً كبيراً من الجمجمة، ثم تتدخل أخرى لقص ولصق أعضاء مجهرية، يحاول الوصول إلى الجسم المركزي (السنتروسوم) و الخيوط المغزلية في مخ فأر تجارب، ثم فصلها و زراعتها في خلية عصبية لفأر آخر! لو أن تلك التجربة في العلن، لاتهمه جمهور أطباء مصر بالجنون، و لكنه لا يبالي، إنه في صدد تغيير التاريخ، وما عليه إلا الرقص على الشعرة التي تفصل المنطق عن الجنون!
الهدف من التجربة هو طفرة علمية في حد ذاتها، أن يغير من طبيعة الخلايا العصبية و يجعلها خلايا متجددة، ومن ثم تستطيع أن تقاوم عقار ميلا وتنتج خلايا عصبية جديدة بدلاً من تلك التي دمرها!
ابتسم بينما تقترب الأجهزة من قص الأعضاء من مخ الفأر الطريح على الطاولة، و قال بصيغة هزلية:
– سامحني يا ميكو.. مش هاتنفد منها المرة دي.. ثم أطلق ضحكة تدشن دخوله عالم المجانين عن جدارة، وإنكب على أدواته ليستكمل التجربة..
على باب غرفة مي، استقبل د. حمزة والدها المقبل في لهفة غير مسبوقة وسعادة فارقته منذ أمد..
رأفت: حقيقي يا كتور؟ حقيقي البنت فاقت وكلمتك عادي.. وكمان طلبت تشوفنا؟؟
د. حمزة : حقيقي يا رأفت بيه .. ربنا كبير .. الحمد لله رجعت بالسلامة .. اللي حصل دا معجزة!
رأفت : ألف حمد و شكر ليك يارب، إسمع يا دكتور.. انت ليك هدية كبيرة أوي على الخبر الحلو دا، بس الأول عايز ادخل لها .. وحشتني أوي يا دكتور !
د. حمزة ( و قد بدأ عقله يتخيل ملامح الهدية ) : أكيد طبعا يا رأفت بيه ، اتفضل حضرتك !
فتح الباب لوالدها الذي دخل في لهفة شديدة ليلتقفها بين ذراعيه ويلثم جبينها ويتحسس شعرها في حنان، إغرورقت عينا د. حمزة من فرط التأثر..
كانت مي بين الصحو والغفوة، تتابع ما يحدث في حالة من الهذيان..
مي : ( بابا ) !!
رأفت: حبيبة بابا ! (وخانته مدامعه عن زخات ساخنة) .. حمد الله على سلامتك يا بنتي .. يااااااه يا مي !! أنا فرحة الدنيا كلها مش سايعاني ، أنا النهارده اتولدت من جديد..
مي : فين ماما يابابا؟ وفين طارق؟ وفين علي ؟ ماجيبتهمش معاك ليه ؟
رأفت : يا حبيبتي أنا كنت في الشركة قريب منك هنا.. أول ما د. حمزة قال لي ان ممكن ادخل لك و اكلمك جيت على ملا وشي ،المرة اللي جاية أكيد هجيبهم معايا ..
مي (باستغراب) : بس انت شكلك متغير كده ليه؟
رأفت : يا بنتي انتي نايمة هنا بقالك عشر سنين!! احمدي ربنا انك لحقتيني!
مي بذهول : معقول !! يعنى طارق و علي برضو كبروا كدا ؟!
إمتقع وجه رأفت : أيوة .. سنة الحياة يا بنتي !
تدخل د. حمزة مربتاً بإصبعه على كتف رأفت وتنحنح بخجل :
معلش يارأفت بيه .. كدا كتير علشان صحتها .. مدام مي محتاجة ترتاح .
رأفت : معاك حق .
وكأنه وجد في كلمات د. حمزة المنقذ من حرج سؤال ابنته فالتفت إليها : انتي فعلا لسه تعبانة يا بنتي ولازم ترتاحي.. أنا هاقوم دلوقتي وأوعدك المرة الجاية هايكون معايا ماما وعلي .
أمسكت مي طرف كمه بوهن شديد وتحدثت في عناد يكبحه الإعياء : و طارق يا باب .. هو حصل له حاجه؟
رأفت : و طارق كمان يا ستي.. كلهم هيكونوا عندك الزيارة الجاية .. يلا ارتاحي دلوقت ..
صحب د. حمزة رأفت بك إلى الخارج، بينما شت عقله يتسائل عن سبب غياب د. حسن بتلك الطريقة وعدم إكتراثه بحالة تعتبر أهم إنجازات حياته !

اقرأ أيضاً  مقابلة مع القارئ وليد الفقي - تغريد قلم -راديو وثائقي

التعليقات

التعليقات


آراء القراء

اترك تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.


Current track
Title
Artist

Background